قضيــة تربويــةالانحـــراف: الواقع والحلول

 قضيــة تربويــةالانحـــراف: الواقع والحلول

بقلم: أ. البـرت هانـي

تُشّكل المعضلات الاجتماعية في حياتنا اليومية، العبء الأكبر الذي يُثقل كاهل مجتمعاتنا ويضعها في عِداد التخّلف الحضاري والأخلاقي بشتى أنواعه ولعّل الانحراف أخطرها وأشدها فتكاً، ناهيك عن الظروف السياسية والاقتصادية المتردية والمحيطة بنا من كل دربٍ وصوب، حيث يتطلب منا بالمقابل العمل وبجهد مضاعف ومتواصل لكبح جماح هذا المد الزاحف الذي يوّجه ضربته القاضية نحو شبابنا الواعد (بُناة الغد) ووضع حدٍ لمن يطلقوا العنان لطمس المعالم الانسانية الأصيلة، تلك المعالم التي تعتبر امتداداً طبيعياً لتاريخنا العريق، والتي من شأنها محاربة من يقف حاجزاً في طريق التطور العلمي والتكنولوجي بشكل متوازن، بعيداً عن التطّرف بكافة أشكاله، بروحٍ العطاء المتجّدد لخدمة الأجيال اللاحقة لتأمين حياة أفضل ومستقبل أجمل، خالٍ من الصعاب والأشواك المتناثرة على دروبه، مكسواً بالورود البيضاء الجميلة، متّوجاً حُبّاً وأمل.

عندما نتحدث عن قضايا الانحراف، نكون في الواقع قد جملنا جميع أشكاله وفئاته ومسلكياته التي تنعكس بالتالي على الشخص الذي وقع ضحية هذه المسلكيات، الى أن يصل الى الهاوية ويرى الضياع بأم عينه، واذا أردنا البحث والتدقيق للكشف عن الأعمار التي تبدأ علامات الانحراف بالظهور عليهم، فإننا نجد أن معظم هذه الأعمار تتركز في سن مبكرة، وذلك في سنوات المراهقة، حيث غالباً ما تكون تصرفات الفرد خارجة عن قيم المجتمع وأعرافه، خاصة في ظل ثورة المعلوماتية وتعّدد مصادرها ومنها: الفيس بوك، اليوتيوب... وغيرها من المصادر التي باتت تُسهم بدورها بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية التنشئة الاجتماعية، ولكن هذا لا يعني الابتعاد عن متابعة أصحاب هذا السن الذين يمرون بمحرجةٍ حرجة وخطيرة للغاية، وعاصفة على مختلف المستويات، فهم أمام مفترق طرق وأمانة في أعناقنا ووديعة ثمينة يجدر بنا المحافظة عليها، ومن هنا يقع على عاتق الأسرة مهام جسيمة بشكل خاص على تربيتهم وتعبئتهم وتحصينهم بالاخلاق الحميدة وعنايتهم عناية مرّكزة حتى يتجاوزوا هذه المرحلة دون الوقوع في شرك الانحراف والمنزلقات الأخرى بالشراكة مع مؤسسات المجتمع الأخرى، حتى لاتُسّجل وصمة عارٍ عليهم، من أجل ضمان تنشأتهم تنشئة صالحة للاستمرار في بناء الوطن الغالي، مسلّحين بالارادة والايمان والانتماء، صانعين من الضعف قوة قادرة على مواجهة التحديات الماثلة أمامهم بعزيمة لا تلين.

يترّبع الانحراف على عرش الانحلال الخلقي والتفكك الأسري والانهيار الأخلاقي البشري، هذه الآفة الخطيرة التي استولت على النفوس الضعيفة والعقول الفقيرة التي لا تمتلك شيئاً، بدليل تهافتها وراء سرابٍ بل خرابٍ يسحقها ويستوطن بداخلها ليبث أحقر الأدوات التي تُساهم في هدم مجتمعٍ بأكمله، لذا وجب علينا كآباء وأمهات وتربويين ومسئولين وضع سياسة اجتماعية حكيمة تستند الى آفاقٍ جديدة على أُسس علمية وتربوية متينة، أهمها:

1. التنشئة الاجتماعية الأسرية السليمة، والتي تعتبر من أهم المدارس التي تُخّرج جيلاً نافعاً لمجتمعه، عنوانه المثابرة وتشجيع العلم والمعرفة منذ الصغر، تطبيقاُ للمثل القائل: "العلمُ في الضغر كالنقشِ في الحجر"
2. التثقيف التربوي من خلال اقامة الندوات واللقاءات الدورية للأطفال والأهالي، والتي تُعنى بمختلف المراحل العمرية وخاصة الشباب.

3. اقامة المراكز العلمية والنوادي الترفيهية والرياضية والرقابة عليها، لتعبئة أوقات الفراغ القاتلة لشبابنا، واستثمار هذه الفرص لتنمية وتوظيف اتجاهاتهم وقدراتهم ومواهبهم بطريقة صحيحة.

يقول الشاعر: " الدهرُ ذو دولٍ، والموتُ ذو عللٍ

والمرءُ ذو أملٍ، والناسُ أشباهُ"

فلنحمي أبناؤنا، فلذات أكبادنا من خطر الانحراف، لنحيا حية كريمة مُفعمة بالسعادة والخير والصلاح.