الأب د. بيتر مدروس: يكتب في "الإيمان والحياة" حرمة المقدّسات والوحدة الوطنيّة ...

 "الإيمان والحياة"
حرمة المقدّسات والوحدة الوطنيّة ومكارم الأخلاق وعظمة الوفاق

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)
لا يختلف اثنان في ضرورة احترام المقدّسات ، كلّ المقدّسات ، في هذه الديار الفلسطينية المقدّسة وسائر الشرق الأوسط والعالم. وقدسيّة الوجود الإنساني وحرمة المقدّسات لا تتناقضان بين المحافظة على حياة البشر واحترام أقدس الحجر.
وفي هذا السياق يذكر المرء بانشراح صدر زيارات قام بها مؤخّرًا رجال دين مسيحيون بارزون للقائمين على المسجد الأقصى في بيت المقدس ، ومنهم سيادة المطران وليم حنّا الشوملي النائب البطرييركي اللاتيني المقدسي في القدس وسائر فلسطين ، معبّرين عن تضامنهم وعن واجب احترام المقدّسات في هذا الوطن الغالي من مسيحية وإسلامية . ويعلم المرء حرص السلطات الفلسطينية في كلّ ربوع الوطن على احترام المقدّسات ، بحيث تستنكر اي اعتداء وتلاحق مرتكبيه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كلّ المسؤولين الفلسطينيين رفيعي المستوى ، في القدس والضفة الغربية والقطاع ، على وعي كامل بقداسة المقدّسات بما فيها الكنائس والأديرة مع الجوامع.

الوحدة الوطنيّة
لا تريد هذه السطور أن تكرّر بإسهاب ما أكّده بطاركتنا واساقفتنا وكهنتنا وممثلونا البرلمانيون في كلّ ارجاء الوطن أننا معشر العرب عامّة وفي فلسطين خاصّة شعب واحد يرفض اي تمييز أو نعرة أو تقسيم. ممثلونا الروحانيون لا يقسمون شعبنا إلى مسلم ومسيحي (ولا درزي في شمال البلاد). ولا يجوز أن نترك لأحد ذريعة ظلم المسيحيين أو الاعتداء عليهم للدعوة إلى انخراط شبّانهم وفتياتهم في جيش ما ، خصوصاً وأنّ المسؤول عن سلامة المواطنين وأمانهم هو الشرطة وضامن حقوقهم هو القضاء والمفروض وجود هذين الجهازين وعملهما الفعّال حتّى في خدمة العرب حتّى المسيحيين!

ما أحوجنا إلى مقاومة إفساد الأخلاق على المستوى الأممي!
صدر مؤخرًا ، على صفحات جريدة "القدس" الغرّاء مقال يؤكّد الحاجة الملحّة إلى رفع لواء الأخلاق عالمياً. ويتزامن هذا المقال مع هجوم غير مسبوق لأجهزة في الأمم المتّحدة على الكنيسة الكاثوليكيّة بذريعة أنها "ما عملت ما فيه الكفاية لردع التحرّش بالأطفال أو عقابه". وهذا الاتهام جائر ظالم بما أنّ قداسة البابا السابق بندكتوس السادس عشر أعفى من الخدمة الكهنوتيّة وأزال شرف الكهنوت عن الكهنة الذين ثبتت إدانتهم بالتحرّش بأطفال. وأقرّ قداسته سلسلة من الاجراءات القاسية في هذا الشأن. وحذا حذوه خلفه البابا فرنسيس الأول الذي في الفترة الأخيرة ، على سبيل المثال، حوّل إلى وضع العلمانيّة كاهناً إيطالياً حتّى قبل أن تدينه نهائياً المحكمة المدنيّة. ولعلّ الكنيسة الكاثوليكية هي الوحيدة أو من الكنائس القليلة التي قامت بتلك الخطوات.

تجاوزات أممية في مناهضة الأخلاق!
في الواقع لم يكن الاتهام الجائر المذكور أعلاه سوى ذريعة – مرّة أخرى- للتجاوز والتعدّي ، كما اعلن قدس الاب فردريكو لومباردي الناطق الإعلامي الرسمي باسم حاضرة الفاتيكان. فعلاً ، على حين غرّة ، تتطاول أجهزة في الأمم المتّحدة على الكنيسة الكاثوليكية وتهيب بها ، من غير حياء ، أن تقبل الإجهاض وما يسمّى ب "زواج" المثليين والموت الرحيم! وليس هذا تطاولاً على الكنيسة الكاثوليكية وحدها ولا تجاوزًا يناهضها لوحدها بل هو معاداة للأخلاقيات الإلهية الطبيعية اي للوصايا العشر كما تقرّها اليهودية والمسيحية والإسلام ، ناهيكم عن أديان أخرى تشاطر الديانات الموحّدة ذلك الإجماع على قدسية الحياة والزواج الطبيعي الوحيد المبارك بين رجُل وامرأة .
ولا يحتاج المرء ، خصوصاً في شرقنا الحبيب ، إلى تعليق أكثر ولا تفسير أوفر فالإناء بما فيه ينضح. ونرفض جميعنا ، مسيحيين ومسلمين ، كلّ تلك الموبقات والمفاسد ونحن قوم – حسب التعبير القرآني – نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. وربّما من الصعب أن يعرف المرء الذين يقفون وراء هذه الانحرافات من الذين يعيثون في الأرض فسادا.

خاتمة
حفظنا الله من كلّ فتنة ونعرة وظلم بيننا ، وأزال تعالى عن البشرية كابوس الحرب بين الدول والحروب الأهلية التي دمّرت اقطارًا كثيرة من مشرقنا المحبوب! وأعاننا على ضعفنا البشريّ لندافع عن مكارم الأخلاق، رافضين في عائلاتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا الانحرافات الغربية التي تتبرّأ منها المسيحية، وترفضها الحضارة الحقيقية حيث لا حقوق من غير واجبات وحيث لا سعادة من غير إيمان وصلاح، كما أعلن أمير الرسل بطرس : "الآن علمتُ يقينا أنّ الله لا يفضّل أحدًا على أحد ، بل كلّ من اتقاه تعالى من أية أمّةٍ كان وعمل الخير كان لديه تعالى موضع الرضوان" (أعمال 10 : 34).