غبطة البطريرك يوجه رسالة الميلاد 2015

 

 غبطة البطريرك يوجه رسالة الميلاد 2015

 

أيها الاصدقاء،
أيها الاعلاميون والاعلاميات الأعزاء،
أتمنى لكم أعياد ميلاد عامرة بالفرح والبركة.

أشكركم على حضوركم، وعلى عملكم الدؤوب الذي يتّطلب صراحة وجرأة وحكمة وسعيا مستمرا الى الحقيقة.

 

بعد بضعة ايام سنحتفل بميلاد السيد المسيح، كلمة الله، الذي سكن بينناً. الميلاد هو عيد الانوار التي تتلألأ في عتمة ليالينا. بالنسبة للصغار هو عيد الفرح والهدايا والزينة والمذود. وهنا استذكر كلمات البابا فرنسيس الذي يجد الوضع العالمي يناقض ما نحتفل به، وكأن ” كل أفراحنا زائفة ومزيّفة”، ذلك ان العالم ما يزال يتحارب ويتخاصم. وقد بدأت بالفعل حرب كونيه ثالثة تجري امام عيوننا وجزء منها يجري في منطقتنا.

 

1. العنف
• كم هو مؤلم ان نرى بلادنا المقدسة مرة اخرى في دوامة مفرغة من العنف الدامي. كم هو مؤلم ان نسمع لغة الحقد وقرقعة السلاح تعلو فوق المنطق والحوار! إن آلام سكان هذه الأرض هي آلامنا ولا يمكننا تجاهلها. يكفينا إراقة دماء بريئة. لقد تعبنا من الصراع. وتعبنا من انتظار الحلول.

 

الى الزعماء الاسرائيليين والفلسطينيين نقول انه حان الوقت للتسلّح بالشجاعة والسعي الى سلام عادل. كفانا تردد وتأجيل الحلّ النهائي بدون مبرّر.

 

الناس يطلبون السلام والأمن والطمأنينة. وكلا الشعبين في الارض المقدسة – الإسرائيلي والفلسطيني- لهما نفس الكرامة والحق في العيش داخل دولة مستقلة وآمنة.

 

• ان العالم يواجه تهديداً إرهابياً غير مسبوق بسبب أيديولوجية الموت التي يغذيها التشدد الديني التكفيري الذي يثير الرعب. بالأمس القريب استهدفت هذه الايديولوجية عدة بلدان، وكانت قد تمركزت في العراق وسوريا. ان الوضع في سوريا هو قلب الازمة الحالية، ويعتمد مستقبل الشرق الاوسط على ايجاد حل لهذه الازمة.

 

ان هذه الحروب العبثيّة تستمر أيضا بسبب تجارة السلاح الذي تتسابق فيه عدة دول. إننا نواجه مع الأسف ازدواجية مقلقة. بعض الدول تتحدّث عن العدالة والسلام بينما تسوّق وتبيع السلاح للمتحاربين. الى هؤلاء التجار الذين لا وازع لهم ولا ضمير عندهم نقول: ان مسؤوليتكم عظيمة. عودوا الى الله الذي عليكم المثول أمامه للاجابة عن دم إخوتكم. ان الرد العسكري واستخدام القوة لا يمكنهما حل الخلافات العالمية. يجب معالجة الأسباب من خلال محاربة ظواهر الفقر والظلم والجهل التي تشكّل أرضاً خصبة للارهاب.
ج. للكنيسة وجماعة المؤمنين ردٌ على الوضع الحالي. وهذا الرد يتمثل في اعلان البابا فرنسيس أن السنة 2016 هي سنة يوبيل الرحمة والغفران. وتم افتتاح الحدث في روما يوم 8 كانون الأول الماضي. ان الرحمة هي العلاج لمعاناة الزمن الحاضر لأن مرض العصر هو غياب العدل وانعدام الرحمة.

 

ليست الرحمة نهج تعامل فردي وحسب، بل نهجٌ للحياة العامة في جميع مرافقها: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وعلى جميع مستوياتها: العالمية والإقليمية والمحلية، وفي جميع اتجاهاتها: بين الدول والشعوب والفئات والديانات والمذاهب…. وعندما تصبح الرحمة مكوّنًاً من مكوّنات العمل العام، على جميع هذه المستويات، فإنها كفيلة بأن تنقل العالم من دائرة المصالح الأنانية إلى دائرة القيم السامية، وهذا ما يساهم في بناء عالم أفضل لكلّ البشر. إنّ الرحمة عمل سياسيّ بامتياز، إذا أخذنا العمل السياسي بمعناه الكبير والنبيل، اي إدارة الأسرة البشرية على أسس أخلاقية، تكون الرحمة إحدى مكوناتها، بعيدا عن العنف والظلم والتسلّط والهيمنة.
وبمناسبة سنة الرحمة هذه ندعو الحجاج لزيارة الأرض المقدسة. ستكون اقامتهم آمنة بالرغم من الأوضاع المتوترة في هذه الأرض. فهم موضع احترام وتقدير من قبل الجميع.

 

2. ما العمل
• نحن نؤمن بالقيمة الاساسية للتربية والتعليم. كيف لا نذكر الصراع المرير في الأشهر الماضية للدفاع عن مدارسنا الأهلية في اسرائيل؟ كيف لا نوجه الشكر لجميع الذين ناصرونا من أهل وطلاب ومعلمين؟ كما نشكر سيادة الرئيس الاسرائيلي رؤوبين ريفلين وأعضاء الكنيست الذين ساندونا في هذه القضية. ان التزامهم هو دعم لنوعية التعليم الذي تقدمه هذه المدارس والتي تستقبل جميع الطلاب بدون تمييز، وتربيهم على روح الأخوّة والتسامح والحوار.

 

• وعلى ذكر الحوار أريد أن أنوّه الى الوثيقة الثورية المتعلقة بالحوار ما بين الأديان والصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني واسمها اللاتيني Nostra Aetate. هذه الوثيقة، وقد مضى عليها خمسون سنة، وضعت أُسس الحوار بين الكنيسة والديانات غير المسيحية. وهنا في الأرض المقدسة، يتخذ هذا حوار الأديان أهميّة كبرى. هنالك صعوبات بالتاكيد ولكن من الضروري ان نستمر في التطلع اكثر من اي وقت مضى الى حوار مثمر ما بين الديانات الثلاث، عالمين أن للدين دورا في تهدئة الخواطر والبحث عن سبل السلام.
وأود هنا ان أحيّي الجماعة الكاثوليكية الناطقة بالعبرية، وعلى رأسها الأب دافيد نويهاوس، التي احتفلت هذه العام بالذكرى الستين لتأسيسها. ما انفكت هذه النيابة تعمل من اجل حوار ما بين الأديان وتبذل جهدها لمساعدة العمال المهاجرين روحيا واجتماعيا.

 

3. عيد الميلاد هذا العام
• ان الوضع السياسي الحالي يحتّم علينا ان نخفّض وتيرة الاحتفالات الخارجية، وان نعمّق المعنى الروحي. لهذا السبب ندعو كافة الرعايا الى إطفاء أنوار شجرة الميلاد ليلة 24 الساعة السابعة لبضع دقائق كإجراء تضامني مع ضحايا العنف والارهاب الذي ضرب مناطق كثيرة من العالم.

 

• تفاصيل دخول موكب البطريرك الى بيت لحم:
منذ كانون الأول (ديسمبر) الماضي شكّلنا بالتنسيق مع حراسة الاراضي المقدسة لجنة خاصة لتنظيم الدخلة الرسمية للبطريرك الى بيت لحم بعد ظهر يوم 24 كانون اول، وقد اتخذت ترتيبات خاصة حتى يصل الموكب الى ساحة المهد دون تأخير وفي جو يتسم بالنظام والوقار. وسيكون هناك مكان مُعدّ خصيصاً للصحفيين والمصوّرين.

 

اود في الختام ان أعرب لقداسة البابا فرنسيس عن شكرنا وتقديرنا وذلك لأسباب عدة: اولاً بمناسبة تقديس الراهبتين الفلسطينيتين في شهر أيار الماضي. وثانياً بمناسبة عقد سينودس الأساقفة حول العائلة وقد كنت مشاركا فيه. ثالثا للـتعليمات الجديدة التي سهّلت اجراءات المحاكم الكنسية في قضايا بطلان الزواج. نشكره رابعا لتوقيع الاتفاقية التاريخية بين دولة فلسطين والكرسي الرسولي. واخيراً نقدر له ونثمن الرسالة البابوية Laudato Si الخاصة بالمحافظة على البيئة وهي موضوع ذات اهمية قصوى لكوكب الارض والانسانية بمجملها. وقد تكلّل جهدُهُ بالنجاح في مؤتمر باريس حول المناخ والاحتباس الحراري.

 

الختام: “ولد لنا ولد، وأعطى لنا ابن وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً اباً ابدياً رئيس السلام “( اشعيا 5:9)
ايها الأصدقاء الأعزاء، ان ميلاد المسيح هو علامة من علامات رحمة الله للبشرية وهو وعد بالفرح والخلاص. لذا نطلب من صاحب العيد أن ينعم عالمنا المجروح بالمحبة والسلام والمصالحة.

 

ومن المصادفات السعيدة لهذا العام أن عيد المولد النبوي الشريف يتزامن مع احتفالنا بالميلاد المجيد. وهذا أمر نادر ولطيف. لذا أهنىء شعبنا الفلسطيني بالعيدين المجيدين وأتمنى لكم سنة جديدة مليئة بالبهجة والسرور. وكل عام وأنتم بخير.

 

† البطريرك فؤاد طوال
بطريرك القدس للاتين