الأحد الأول بعد الميلاد عيد العائلة المقدّسة: "وسكن في النّاصرة"

28-12-2013  23:39

 الأحد الأول بعد الميلاد عيد العائلة المقدّسة: "وسكن في النّاصرة"

الأب منويل بدر - ألمانيا

لو سُؤِلْتَ أيّها المسيحي: بصحبة من تشعر بالرّاحة والإطمئنأن؟ أو مع مَن تريد أن تقضي أيّامك؟ فماذا سيكون جوابك؟ هل ستقول: أشعر بنفسي سعيداً بصحبة رفاقي في النّادي الرّياضي؟ في مكان عملي؟ مع أصحابي في المقهى كلّ مساء؟ لوحدي؟... أو هل ستقول: أنني لا أشعر بالسّعادة إلاّ مع عائلتي وأولادي؟ وفي الواقع تقول الإحصائيّات العامّة أن لا أحد يشعر بالرّاحة والطّمانينة الكاملة، إلاّ في حضن عائلته وتحت سقف البيت الذي يعيش فيه أفراد العائلة سويّة.

نحن لا نزال في غمرة وأفراح الأعياد الميلاديّة. واليوم نحتفل بعيد العائلة المقدّسة. منذ بعض السّنوات نلاحظ أن كثيراً من العائلات التي اعتادت أن تبني مغارة الميلاد في إحدى زوايا البيت، ما عادت تضع فيها من التماثيل الرمزيّة سوى العائلة المقدّسة، المؤلّفة من يوسف ومريم والطّفل. فما عاد من ظهور لا للرّعاة مع خرافهم، ولا للمجوس مع جمالهم وهداياهم. لقد عاد التّركيز لا على الأشخاص الغير مُهمّة ولكن على أهمّ الأشخاص، والذين هم محور قصّة الميلاد، وهم الذين يلعبون الدّور المهم بقصّة عيد الميلاد.

أن العائلة هي وستبقى قلب المجتمع النّابض وأساس الحياة الجماعيّة والإجتماعيّة، إذ ليس الطّفل وحده يشعر بالطّمانينة في العائلة، بل كلّ فرد يقول: العائلة هي بيتي الحقيقي. كلّ الصّفات الشخصيّة، التي يحتاجها الإنسان في حياته: الحب، المشاطرة، إعتبار الغير، الإحترام، التّسامح، التّفاني... تنغرس في قلبه منذ صِغَره في العُش العائلي. حياة الأهل وتَصَرُّفهم أمام البنين هي القاعِده لحياة الطِّفل فيما بعد، إذ الأهل هم المِثال الأساسي الذي يبني عليه الأولاد حياتهم. وكما قال المثل: العِلم في الصِّغر كالنّقش في الحجر، أي دائم.

يعجبني الحديث مع الأطفال، فهم كثيرا ما يكون جوابُهم على سُؤال: ماما أو بابا قال.... فالعائلة هي، وتبقى مَسْقِط الرّاس الدّافئ، الّذي لا يُنتسى. يقول عُلماءُ النّفس: أن سبَب شُذوذ الولد وفَشَله في الحياة هو غالباً ما يكون حرمانه الحنان الوالدي في الصِّغر أو فُقدأن الثّقة بمؤهلاته في سنّ الطّفولة. لذا ينغلق مثل هؤلاء الأطفال على أنفسهم، ولا يستطيعون لا كسب ثّقة غيرهم ولا إهداءهم محبَّة صادقة. إذ ما يفقدونه في الصّغر لا يمكن بناؤه أو استعادته في الكبر. إذا لاحظ الطّفل أن كلا الوالدين مهتمان بحياته اليوميّة، يصغيأن لما يقول ويرشدأنه عند ذهابه وإيابه، فهو يبقى متلحّفاً بهذه الثّقة، حتّى وأن غابا كلاهما أو أيضا أحدهما لمدّة عنه، فهو متأكّد من محبتهما له، فكيف لا يبادلهم هو هذه المحبّة وهذه الثِّقَة؟. فمن يقدر أن يُنكِر، أن مكان غرس المحبَّة والثِّقَة والأنفتاح والإستعداد لِخِدمة الآخرين والعطاء والتّسامُح هو العائلة. تعم العائلة هي الصُّورة المُصغَّرة للمُجتمع الكبير. فيها يجد الطِّفل ميزان التّوازن زالإطمِئنأن. فلا بديل عنها.

قال قدّيس: أن أثمن شيء يجده الإنسان عندما يوعى على حاله، وأثمن شيء يصبو إليه في الحياة، وأغلى شيء يملكه في الحياة، هو العائلة. فالعائلة وحدها هي الملاذ الأمين والملجأ الحصين، حتّى وأن كان الكثيرون غير متفاهمين مع كلّ الأقرباء، لكنهم لا يتصوّرون التّخلّي عن نفر واحد من العائلة. وبالمقابل لا تَتَصوّرُ أيّة عائلة التّخلي عن أيّ نفر فيها، حتّى وأن أخطأ. فالعائلة تقف ليس فقط ورائه بعيدة عنه، بل إلى جانبه لتحميه وتتحمّل معه عبئ أخطائه. العائلة فعلاً هي الملاذ الأمين في كلّ مراحل الحياة.

الكنيسة تحتفل اليوم بعيد العائلة. وهي تريد من ذلك تذكير الأهل، كم هو مهمّ دورُهم في حياة الطّفل. فكل طفل لا ينشأ في قلب عائلة، ولا محاطا بحنأن الوالدين، ينشأ مكسور القلب والنفس ولن ينجح في حياته كثيراً. تقول الإحصائيات العامة أن أكبر فئة المجرمين والمخلّين بالقوانين والآداب العامّة هم من طبقة هذه الفئة من الأطفال. والأمثال كثيرة: فتى بعمر 12 سنة صار مسجّل عليه 62 جرماً في سجلاّت الشرطة الجنائيّة. شاب بعمر 16 سنة صار محكوم عليه 42 مرّة بسبب أعمال سطو وسرقات. شاب آخر بعمر 17 سرق حتى الآن 15 سيارة ودرّاجة ناريّة و25 بسكليت... لكن الإحصائيّات أيضا تقول، أن 99% من الأولاد الّذين يعيشون في عائلة مِثاليّة، لا يحيدون أبداً عن هذا الطّريق. حتّى يسوع، وإن كان ابن الله، فإنّه كمخلوق بشري قد تمسّك بكل الفضائل التي وجدها في بيت أهله وتمسّك بالقوانين التي مارسوها أمامه، إذ هم كانوا مثالا لحياته الأرضيّة. فها لوقا يذكر، أن يسوع بعدما عاد من زيارة الهيكل في أورشليم بسنّ الثانية عشرة إلى بيت النّاصرة، "كان طائعاً لهما وينمو في السّن والحكمة والنّعمة عند الله والناّس" (لوقا 51:2).

فكما كان بيت الناصرة ليسوع، هو أيضا لنا، بيت ومدرسة تحتذى. فيه نفهم ما قيمة الأهل وما يمكن أن ننهله منهم من الفضائل لحياتنا ومستقبلنا. فيوسف ومريم كانا مواظبين على إتمام إرادة الله، بكل حبّ وأمان وتقوى. فهما مثال لا يعلى عليه لعائلاتنا.

العائلة هي ليست فقط سكنى مشتركة لرجل وامرأة وطفل تحت سقف واحد، وأمّا في المسار اليومي فيعيش كلّ واحد كما يطيب له بحكم الديمقراطيّة. بل العائلة تعني حياة مشتركة مبنيّة على أسس إلهيّة وطبيعيّة يجب ممارستها. فعلى العائلة تقع واجبات وأدوار مهمّة وبديهيّة، تبدأ بالتربية الصّالحة للولد وهذا يعني تهيئة الأجيال القادمة على المبادئ الصّالحة والبنّائة. أما قال المثل: المرأة الّتي تهزّ السّرير بيمينها، تهزّ المجتمع بيسارها؟ فحياة العائلة هي مرآة لحياة المجتمع.

الحب المتبادل والتعاون هي أساس متين لحياة دائمة بالوحدة والأمانة: "لذلك يترك الرّجل أباه وأمّه ويلزم امرأته"(مر 7:10). الخيانة أو الطّلاق لا ذكر لهما بوصايا الله. فأيّ مثال يُقدِّمه الأهل لأبنائهم إذا كان وجود مشكلة في الحياة اليوميّة هو سبب للانفصال والطّلاق، مثلما كانت الحال عند الفرّيسيّين، حيث سألوا يسوع، إذا كان يحقّ للرّجل أن يطلّق امرأته لكل علّة، كما سمح لهم موسى لقساوة قلوبهم مع نسائهم (متّى 3.19 ومرقس 11:10 ). لكنّ يسوع في جوابه الواضح أعاد الحق إلى نصابه وذكَّرهم بالقانون الأساسي: لم يكن هذا في البداية، قال لهم، ولا يجوز أيضاً للمستقبل، إذ لا يحق للإنسان أن يفرّق ما جمعه الله. هذه إرادة الله: الزّواج يقرَّر في السّماء لكنّه يُعاش على الأرض. إذن قوانينه ليست بشريّة ومُؤقّتة، فلا يجوز التلاعب بها أو تغييرها لمجاراة الخواطر.

إن البابا الطّوباوي الرّاحل يوحنا بولس الثاني قد قال: لا يوجد حب مؤقّت ولا يوجد زواج مؤقّت. لذا على الزوجين أن يتمسّكا بالوعد الذي بنيا عليه يوم زواجهما: وهو الوعد الحرّ أن يعيشا سويّة في السرّاء والضرّاء، في الصحة والمرض، طيلة حياتهما. هناك وسائل كنسيّة دينيّة تساعد الزوجين على حفظ هذا الوعد بكل أمانة والتّغلب على الصّعوبات اليوميّة وهي الصّلاة والإتكال على مساعدة الله لهما، إذا ما طلبا منه ذلك يومياً: أطلبوا تجدوا. فمتّى تُصلّي العائلة مع بعضها اليوم؟ بدون الصّلاة تفقد العائلة توازنها الدّاخلي وتصبح عرضة للتقلّبات العصريّة. ممّا لا يجوز أنكاره أن العائلة، كلّ عائلة تمرّ مراراً بأوقات وأزمات حرجة وصعبة، وهذا أمر طبيعي. لكن الانتصار عليها ليس من المستحيلات. فلنتذكّر ما قالته الأم تريزيا. العائلة التي تواظب على الصّلاة معا هي عائلة سليمة، إذ العائلة هي كنيسة مُصغّرة.

فلنطلب من العائلة المقدّسة التي نحتفل بعيدها اليوم، أن تحمي عائلاتنا وتساعددها على تخطّي الصّعوبات وحفظ وصايا الله، لتبقى مُتمسّكة بالحبّ والوعد الذي تبادلاه يوم الزّواج، وذلك طيلة حياتها.

أيتها العائلة المقدّسة! صلّي لأجل عائلاتنا