كلمة غبطة البطريريك فؤاد طوال في رأس السنة الجديدة 2014:ليَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمً

01-01-2014  14:33

كلمة غبطة البطريريك فؤاد طوال في رأس السنة الجديدة 2014

 أيها الإخوة في الأسقفية

سيداتي وسادتي

أعزاءنا الكهنة والإخوة الرهبان والأخوات الراهبات

أعزاءنا الإخوة والأخوات، أنتم العائلة الكبيرة في الأرض المقدسة

 

ليَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا! 

 

وفيما أعرب لكم عن أصدق التمنيات للعام الجديد 2014، أود أن أكرر دواعي الآمال المسيحية: إن عالمنا، وشرقنا الأوسط، وأرضنا المقدسة ليسوا موعودين لدوام الفوضى فيهم. فبفضل نشاطنا المتبادل لمد يد العون والمحبة، وإن كانت محدودة النطاق، قد تظهر من خلالها سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً لذلك، أود أن أعرب عن شكري وامتناني إلى جميع مؤسسات الرهبان والراهبات، والمجتمعات العلمانية، والجمعيات وجميع الأفراد الذين ينشطون بصلواتهم وبتأدية الرسالة والتضامن لعيش الإنجيل المقدس بالإيمان وبالأعمال.

إننا نشكل عائلة واحدة كبيرة، ومن دواعي سرورنا أن نجتمع اليوم معا، بين إخوة وأخوات، في حين أننا نحيط بأمنا السماوية كي نعرب عن تقديرنا لما حققناه من أعمال حسنة معاً في هذا العام وأن نطلب الغفران من ابنها لكل زلاتنا، وتردداتنا وتقصيرنا في القيام بأعمال المحبة الأخوية.

وعلاوة على ذلك، لا وجود لإخاء صادق دون الإقرار بأبوة الله، تلك الأبوة المُحِبَة والمنصفة للغاية التي تجعلنا ليس أبناء فقط، بل إخوة أيضا، وأعضاء أسرة كبيرة واحدة أفرادها مدعوون لأن يبادلوا المحبة فيما بينهم. إن ما نُسلّم به هو القاعدة التي بنى عليها البابا فرنسيس رسالته للاحتفال بيوم السلام العالمي، وهو اليوم الذي نحن في صدد الاحتفال به. يقول البابا لنا أن الأخُوّة مهارة يجلبها كل رجل وكل امرأة معه أو معها بصفتهم مخلوقات بشرية، أبناء وبنات الأب الواحد. وللتغلب على المآسي العديدة التي تحل بعائلات البشر – كالفقر، والجوع، وتباطؤ النمو الاقتصادي-الاجتماعي، والنزاعات، والهجرة، والتلوث البيئي، وعدم المساواة، والظلم، والجريمة المنظمة، والأصولية – تشكل الأُخُوّة أساس وطريق السلام واحتفظ البابا بنبرة أكثر مباشرة للصراعات المسلحة التي تتواصل  بلامبالاة عامة. وفي نداء حاد أطلقه كصدى لما كان قد أعلنه أثناء الصلاة الملائكية في الفاتح من شهر أيلول المنصرم لدى الإعلان عن سهرة الصلاة من أجل سوريا والشرق الأوسط، قال  اكتشف أخاك مجددا في ذلك الذي تنظر إليه اليوم كمجرد عدو ينبغي عليك أن تقهره، وكف يدك عنه!

ويرى البابا، أن المفتاح للتحدي يكمن أصلا في أُخُوّة المسيح. إنه الابن البكر للآب، والأخ لجموع الإخوة، والذي في موته وفي قيامته أتى بالمصالحة لجميع البشر؛ وهو الذي يجدد الأُخُوّة، التي يتعذر على البشر إحيائها بمفردهم. وإن اتبعناه فهو يساعدنا على عدم النظر الى القريب كعدو أو منافس نريد تصفيته، لكن ننظر إليه نظرة أخ لنا.

وبناء على ذلك  هنالك حاجة لأن نكتشف الُأخُوّة من جديد، ولأن نعتز بها ونختبرها ونعلنها ونشهد لها إن كنا نسعى إلى ترديد أقوال البابا التي وردت في عظته يوم 19 آذار لدى اعتلائه السدة الرسولية حين قال فلنكن حراسا الواحد منا للآخر.

إخواني وأخواتي الأعزاء، هذا هو برنامج لم يوضع لعام واحد فقط بل لحياة بكاملها. إننا نعلم بأن الأرض المقدسة بحاجة إلى مثل هذه الأُخًوّة بين الشعوب، بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. إننا على علم مسبق بأن العديد من الرجال والنساء من ذوي النوايا الحسنة، يعملون بجد لخدمة أرض تنفح أُخُوّة أكبر في ظل سلام عادل، ودائم يسوده الانصاف والاستقرار. إن دعوتنا كمسيحيين تُلزمنا لأن نضع أنفسنا في خدمة إخوتنا، وبلادنا، وأن نعمل على تنميتها. وعلى الصعيد الاجتماعي والإنساني، العديد من المؤسسات المسيحية تنشط بكل سخاء لمساعدة مواطني غزة، والأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين الذين يتوافدون على أبرشيتنا.

إخوتنا وأخواتنا الأعزاء، إن العائلة هي الخلية الأولى حيث تُصهَر الأُخًوّة. إن رسالة البابا فرنسيس العامة الأولى نور الإيمان، تتناول العائلة وعلاقتها مع الإيمان الذي يكشف لنا مدى قوة العلاقات بين الناس عندما يكون الله حاضرا في أوساطهم.وأضاف البابا يقول إن البيئة الأولى التي يضيء الإيمان فيها مجتمعات البشر هي العائلة. ولذلك إنني أعتمد عليكم جميعا في السنة القادمة التي وضعت تحت شعار العائلة نظرا للسينودس الاستثنائي الذي سيعقد في تشرين الأول 2014 والمكرس لهذا الموضوع. تتمكن العائلة من المشاركة في بناء الإنسانية لأُخُوّة جديدة مقابل عولمة اللامبالاة، ومن واجب كنيستنا أن تكشف عن  التحديات الراعوية للعائلة في إطار الكرازة كما تدعونا إلى ذلك وثيقة تحضير السينودس.

كان السيد المسيح قد أوكل مباشرة إلى تلامذته واجب كرازة الإنجيل إلى جميع الأمم، والكنيسة هي التي تحمل هذه الرسالة عبر التاريخ. في الزمن الذي نعيش فيه، تتحول الأزمة الاجتماعية والروحية الظاهرة بوضوح إلى تحد راعوي يستدعي مهمة الكرازة الكنسية في العائلة، وهي التي تشكل النواة الحيوية في المجتمع وفي الكنسية.

يدعونا السيد المسيح، الذي قام من بين الأموات، لأن نسعى إلى إحلال السلام المنشود بصورة خاصة على هذه الأرض التي مزقتها الصراعات الدائرة منذ سنوات طويلة. بوجود الأعداد الكبيرة من رجال الدين في الأرض المقدسة، المسيحيين وغير المسيحيين منهم، يتوجب علينا جميعا أن نبني سلاما اجتماعيا دائما، دون أن نتخلى عن إيماننا، لكن باتخاذ موقف منفتح مخلص وفي محبة وثبات في إيماننا وبفرحة المشاركة به ومعرفة كيفية صياغة الخطاب ليكون أهلا للسماع والفهم.

البابا فرنسيس، في رسالته العامة فرح الإنجيل، يشجعنا مرة أخرى بقوله: يمكن أن تتحول الجهود إلى مسيرة عمل، عن طريق الإصغاء للآخر، فيجد فيها الطرفان تتطهرا وتناميا. وعلى ذلك، قد تنطوي هذه الجهود على بذور المحبة الحقيقة.

 إخواني وأخواتي الأعزاء، فلنعهد بالعام المقبل لأعمال المحبة الصادقة. يجب على أخُوّتنا أن تثري التعاون فيما بيننا لما هو في الصالح العام متجاوزة التنافس وأسباب الغيرة. وإن كان لا بد من أن يلازمنا الصليب على هذه الأرض المقدسة، فلنطلب نعمة حمله بشجاعة معا.

إخواني وأخواتي الأعزاء، وعائلاتنا العزيزة، نتمنى لكم جميعا سنة جديدة مباركة بسلام وأخوّة، وفي انتظار زيارة الأب الأقدس، الذي سيصل عندنا في شهر أيار المقبل بصفة حاج وأخ لجميع المؤمنين في هذه الأرض المقدسة.

 

 

+ فؤاد طوال، البطريرك اللاتيني في القدس